يرى الباحث أحمد محيي أن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية "الأوكتاجون" لا يقتصر على كونه مشروعًا عسكريًا حديثًا، بل يعكس تحولًا في العقيدة الاستراتيجية المصرية ورسالة واضحة تؤكد سعي القاهرة إلى تعزيز مكانتها الإقليمية في ظل بيئة أمنية تشهد تغيرات متسارعة. ويعتبر الباحث أن المجمع الجديد يمثل ركيزة لإدارة الأزمات واتخاذ القرار السريع في مواجهة التحديات المتشابكة التي تحيط بمصر.
ونشر المعهد السياسي والاقتصادي للشرق الأوسط هذه الدراسة، موضحًا أن افتتاح "الأوكتاجون" يعكس رؤية حكومة رئيس الانقلاب لبناء قوة وطنية شاملة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، وتكامل مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرتها على إدارة الأزمات الإقليمية وحماية الأمن القومي.
الأوكتاجون يعكس رؤية مصر الاستراتيجية الجديدة
يشير الباحث إلى أن مجمع "الأوكتاجون"، الذي افتتح في العاصمة الإدارية الجديدة، يمتد على مساحة ضخمة ويضم مناطق استراتيجية ومراكز بيانات متطورة وأنظمة قيادة وسيطرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يسمح بتسريع اتخاذ القرار ورفع كفاءة التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة.
ويربط الباحث هذا التطور بالدور الإقليمي المتنامي لمصر، موضحًا أن القاهرة أصبحت تعتمد على ما يعرف بدبلوماسية "القوة المتوسطة"، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها السكاني وإرثها السياسي والثقافي للحفاظ على نفوذها في الشرق الأوسط وإفريقيا.
تحديات أمنية تدفع حكومة السيسي إلى تعزيز قدراتها
يرى الباحث أن البيئة الأمنية المحيطة بمصر أصبحت أكثر تعقيدًا نتيجة تزامن عدة أزمات، تشمل تطورات قطاع غزة، واضطرابات البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وأزمة سد النهضة، إضافة إلى التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران.
ويشير إلى أن القاهرة تخشى أي تصعيد جديد في غزة قد يؤدي إلى محاولات تهجير الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية، وهو ما تعتبره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي. كما تواصل الحفاظ على دورها وسيطًا رئيسيًا بين مختلف الأطراف الإقليمية، مع استمرار قنوات التواصل مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وحركة حماس.
ويؤكد أن أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي يحتل مكانة متقدمة في الاستراتيجية المصرية، خاصة مع التطورات في السودان وليبيا وإثيوبيا، حيث تنظر القاهرة إلى أمن منابع النيل والبحر الأحمر باعتبارهما ملفًا واحدًا يرتبط بحماية المصالح الحيوية للدولة.
ويضيف أن أزمة سد النهضة الإثيوبي لا تزال تمثل أحد أخطر التحديات الاستراتيجية، في ظل استمرار الخلاف بشأن إدارة مياه النيل، بينما تدفع التوترات الإيرانية الأمريكية القاهرة إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية لمنع اتساع دائرة الصراع في المنطقة.
ميزان القوى الإقليمي ودور مصر الجديد
يعتبر الباحث أن "الأوكتاجون" يمثل استجابة مؤسسية لهذه التحديات، لأنه يجمع بين القيادة العسكرية وإدارة الأزمات والتنسيق بين مؤسسات الدولة في مركز واحد، بما يعزز سرعة الاستجابة للمتغيرات الأمنية.
كما يرى أن مصر تنتهج سياسة تنويع شراكاتها العسكرية، فلا تعتمد على الولايات المتحدة وحدها، بل توسع تعاونها مع الصين وروسيا وعدد من الدول الأوروبية بهدف تعزيز استقلال قرارها الاستراتيجي وتحقيق توازن أكبر في علاقاتها الدولية.
ويشير إلى أن المنطقة تشهد إعادة تشكيل للتحالفات، مع بروز تقارب بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة، بينما تحرص القاهرة على إدارة علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية وفق نهج براجماتي يركز على حفظ التوازن الإقليمي بدلًا من الدخول في صراعات مباشرة.
ويختتم الباحث بالتأكيد على أن "الأوكتاجون" يرمز إلى مرحلة جديدة في السياسة المصرية، تعتمد على الدمج بين القدرات العسكرية والتكنولوجية والمؤسساتية، بما يدعم دور حكومة السيسي كلاعب رئيسي في معادلات الأمن الإقليمي. ويرى أن نجاح هذه الاستراتيجية سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي والتحديات الاقتصادية الداخلية، مع الحفاظ على دورها المحوري في إدارة أزمات الشرق الأوسط.

